يوسف المرعشلي
1473
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
اسكن محمد نجم الدين الأتاسي من رسالة للمترجم له عام 1333 ه . محمد الطباخ « * » ( 1267 - 1307 ه ) ترجمه محمد راغب الطبّاخ فقال : الشيخ محمد ابن الحاج محمود ابن الشيخ هاشم ابن السيد أحمد ابن السيد محمد الطباخ الحلبي الحنفي أخي وشقيقي ، كان رحمه اللّه ممن أكرمه اللّه بالعلم وجمّله بالحلم وزيّنه بالتقوى . ولد سنة 1267 ، وهو أكبر إخوتي ، وأول مولود لوالدي ، وظهرت عليه أمارات النجابة والصلاح منذ نعومة أظفاره ، وكان سيدي الوالد يستصحبه معه إلى حضور مجالس الذكر في الزاوية الهلالية ، فنشأ على محبتها ومحبة العلم وأهله ، فأخذ في طلب العلم ، ولازم الشيخ محمد الرزاز خطيب جامع العادلية ، فأخذ عنه علم القراءات وغير ذلك ، وقرأ على الشيخ بكري الزبري العلوم العربية ، وقرأ على الشيخ أحمد المرحوم الفرضي علم الفرائض ، وبرع في هذا العلم في مدة وجيزة ، وأخذ عن غيرهم من فضلاء ذلك العصر . وكان في أول نشأته مع ما عليه من الصلاح كثير التأنق في ملبسه ، يلبس الأثواب الحريرية التي كانت تجلب من بلاد الهند ، وقد كان سيدي الوالد يستجلبها من مكة وجدة لأنه كان يتعاطى التجارة إليها في كل سنة كما سيأتي في ترجمته ، فكان سيدي الأخ يلبس منها ما يروق له ، ثم إنه أعرض عن ذلك وأقبل على استكمال فضائل النفس ، ولازم الزاوية الكيالية وشيخها إذ ذاك الشيخ حسن أفندي ابن الشيخ طه الكيالي ، فأخذ عنه الطريقة الرفاعية ولازمه ملازمة الظل لصاحبه ، وكانا متحدين في العمر ، وأخذا في مطالعة كتب السادة الصوفية ، وطالعا عدة كتب في الزاوية المذكورة ، وصار يختلي معه فيها في كل سنة أربعين ليلة على حسب عادة أهل الطريق ، وسافر معه إلى الباب لزيارة الشيخ عقيل المنبجي ، ولزيارة الشيخ أبي بكر الهوار وغيرهما ، ثم سافر معه هو وبعض مريديه إلى القدس على قدم التجريد ، وزاروا الأماكن المقدسة هناك وذلك في حدود سنة 1302 ، وصار لبسه في تلك المدة الأثواب من الكتان ، بل إنه حين سفره إلى القدس اتخذ جبة ذات رقع كثيرة لم تزل محفوظة عند ولده إلى الآن ، ولم يكن عمله هذا يشوبه شيء من الرياء أو قصد السمعة أو طلبا لدنيا ، فقد كان والحمد للّه في سعة من العيش غنيّا بغنى أبيه ، غير أنه زهد في هذه الدنيا وزخارفها ، وعلم أنها دار ممر لا دار مقر ، وأن الإنسان لم يخلق سدى ، بل خلق ليعبد اللّه تعالى ويهذب هذه النفس ويصفيها من الكدورات لتلتحق بالملأ الأعلى وتدخل في عداد النفوس التي خاطبها تعالى بقوله يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وَادْخُلِي جَنَّتِي [ الفجر : 27 - 30 ] ولذا أعرض عنها وأكبّ على العبادة وقراءة الأوراد وملازمة الذكر والمراقبة ، واجتهد في ذلك غاية الاجتهاد ، وكان لا يفتر عن التهجّد في الليل ، وصوم يوم الاثنين والخميس وغيرهما من الأيام المباركة . ومع ذلك لم يكن ليترك نصيبه من الدنيا ، بل كان بعد انتهائه من حضور دروسه يتوجّه إلى مخزن والده الكائن في خان العلبية ويحرر له حساباته وتحاريره التي يرسلها إلى البلدان ، وينوب عنه في البيع والشراء في أوقات سفره إلا أنه لم يكن متهافتا على الدنيا متكالبا عليها كما هو شأن أبناء هذا الزمان ، بل كان مجملا في الطلب ، صادق اللهجة ، ناصحا في بيعه وشرائه ، لا يعرف الكذب ولا التغرير ، ولا يحلف لا صادقا ولا كاذبا . وفي سنة 1305 توجّه مع أهله وولديه وبنت له إلى مكة ، أرسله سيدي الوالد في تجارة إليها ، وأرسل معه ما يروج هناك من بضائع هذه البلاد ، وقد كان حجّ قبل ذلك مرتين أو ثلاثا ، ولم تكن غايته الربح بل الحج وزيارة تلك الأماكن المقدسة ، ولما وصل إلى مكة ازداد هناك زهدا في هذه الحياة وأقبل على العبادة مزيد الإقبال ، فكان يدخل إلى الحرم المكي من الساعة الحادية
--> ( * ) « أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء » للطباخ : 7 / 421 - 423 .